الشنقيطي
490
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يشوش الفكر فيمنع من استيفاء النظر في الحكم ؛ فيكون ذلك سببا لضياع حقوق المسلمين . فيلزم على قول الظاهرية كما قدمنا إيضاحه : أن النهي يختص بحالة الغضب ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم . فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرا أشد من تأثير الغضب بأضعاف ، أو كان في جوع أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب ؛ فعلى قول الظاهرية فحكمه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم عفو جائز ؛ لأن اللّه سكت عنه في زعمهم ، فيكون اللّه قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع ، مع أن تنصيص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الفكر تشويشا كتشويش الغضب أو أشد منه كما لا يخفى على عاقل ! ! فانظر عقول الظاهرية وقولهم على اللّه ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام ، مع نهي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصريح عن ذلك في صورة من صوره وهي الغضب - يزعمهم أنهم واقفون مع النصوص ؛ ومن ذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) [ النور : 4 - 5 ] فاللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة ، وترد شهادتهم ويحكم بفسقهم . ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك وأصلح . ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور . فيلزم على قول الظاهرية - أن من قذف محصنا ذكرا ليس على أئمة المسلمين جلده ولا رد شهادته ، ولا الحكم بفسقه ؛ لأن اللّه سكت عن ذلك في زعمهم ، وما سكت عنه فهو عفو ! فانظر عقول الظاهرية ، وما يقولون على اللّه ورسوله من عظائم الأمور ، بدعوى الوقوف مع النص ! ! ودعوى بعض الظاهرية : أن آية وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ شاملة للذكور بلفظها ، بدعوى أن المعنى : يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث والذكور ، من تلاعبهم وجهلهم بنصوص الشرع ؟ وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ [ النور : 23 ] الآية . فهل يمكنهم أن يقولوا إن الفروج هي الغافلات المؤمنات . وكذلك قوله تعالى : * وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 24 ] الآية . وقوله تعالى : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ [ النساء : 25 ] كما هو واضح ؟ ؟ ومن ذلك نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن البول في الماء الراكد : فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن